ابن إدريس الحلي

444

السرائر

وروي أن الرجل إذ زنى بمجنونة ، لم يكن عليه ( 1 ) رجم إذا كان محصنا ، وكان عليه جلد مائة ، وليس على المجنونة شئ بحال ، لا جلد ولا رجم ، ولا تعزير ( 2 ) . فإن زنى مجنون بامرأة عاقلة ، لم يكن عليه أيضا شئ بحال ، ووجب على المرأة الحد تاما . وقد روي في بعض الأخبار أن على المجنون إذا كان فاعلا الحد تاما جلد مائة ، أو الرجم ( 3 ) . أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته ( 4 ) ، وشيخنا المفيد في مقنعته ( 5 ) . والذي يقتضيه أصول مذهبنا ما قدمناه ، أنه لا حد على المجنون والمجنونة ، لأنهما غير مخاطبين بالتكاليف والأحكام ، ولا قام دليل على ذلك فيهما ، والأصل براءة الذمة ، وثبوت ذلك عليهما يحتاج إلى شرع ، ولا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار آحاد ، أو إيراد مصنف في كتابه ، أو فتياه لأن جميع ذلك لا يوجب علما ولا عملا . ومن زنى وتاب قبل قيام البينة عليه بذلك ، درأت التوبة عنه الحد ، فإن تاب بعد قيام الشهادة عليه ، وجب عليه الحد ، ولم يجز للإمام العفو عنه ، سواء كان حده جلدا أو رجما . فإن كان ( 6 ) أقر على نفسه وهو عاقل حر ، عند الإمام ، ثم أظهر التوبة ، كان للإمام الخيار في العفو أو إقامة الحد عليه ، حسب ما يراه من المصلحة في ذلك ، هذا إذا كان الحد رجما يوجب تلف نفسه ، فأما إذا كان الحد جلدا فلا يجوز العفو عنه . ولا يكون الحاكم بالخيار فيه ، لأنا أجمعنا على أنه بالخيار في الموضع الذي ذكرناه ، ولا إجماع على غيره ، فمن ادعاه وجعله بالخيار ، وعطل حدا من حدود الله فعليه الدليل .

--> ( 1 ) ج . ل . رجم . ( 2 ) لم نتحققها إلا في النهاية ، كتاب الحدود ، باب أقسام الزنا . ( 3 ) الوسائل ، الباب 21 ، من أبواب حد الزنا ، ح 2 . ( 4 ) النهاية ، كتاب الحدود ، باب أقسام الزنا . ( 5 ) المقنعة ، باب الحدود والآداب ص 779 . ( 6 ) ج . يراه الإمام .